نـظرة على الصحافة اليمنية من القرن ال19حتى قيام الثورة
(بحث)
خاص - غريب في مشوار
الفصل الأول
اليمن في موجز
قال تعالى:(لقد كان لسبإٍ في مسكنهم أيةٌ جنتانِ عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ وربٌ غفورٌ*) سورة سبأ أية (15).
عن أبي هريرة (رضي الله عنه وأرضاه)قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة الفقه يمان والحكمة يمانية. أتفق عليه الشيخان.
الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية تقع في أقصى الجنوب الغربي لقارة اسيا وتبلغ مساحتها 550000 كيلو متر مربع ويسكنها وفق أخر إحصائية أجريت في العام 2004 بلغ عدد سكانها ما يقر ب ال20 مليون نسمة؛ عاصمتها السياسة صنعاء والاقتصادية عدن.
تعتبر أصل العرب العاربة (القحطانيون)؛ وقد قطنتها العديد من الحضارات كانت أهمها حضارة سبأ التي ذكرت في الكتب السماوية بما يعرف بقصة سليمان وملكة سبأ بلقيس؛ وقد ضمت هذه الدولة في عهدا أول دولة مركزية شملت اليمن بأكملها بل وامتدت حتى وصلت إلى قلب الجزيرة العربية. وقد اشتهرت بنظام حكمها الذي أعتمد على الشورى وكذا باحتكارها على تجارة البن والبخور في ذلك العصر.
وفي العصور الإسلامية كان لليمن وشعبها دوراً كبيرا في نشر الدعوة وتبليغ الرسالة فعلا سبيل المثال استطاع الحضرميون توصيل الإسلام إلى شرق أسيا وخاصتا إلى اندنوسيا وماليزيا حيث مازالت أثارهم شاهدة عليهم حتى يومنا هذا.
وفي العصر الحديث وتحديداً في القرن التاسع عشر كانت اليمن تشهد تفكك سياسي و وضعف اقتصادي فقد كانت عبارة عن دويلات متناحرة في ما بينها مما أدى إلى سقوط كل تلك الدويلات بأيدي المستعمرين سواء كانوا بريطانيين أو عثمانيين.
ففي التاسع عشر من يناير عام 1839 قامت قوات الاحتلال البريطاني وبعد مقاومة ضاربة من اليمنيين باحتلال مدينة عدن. وفي عام 1849 احتلت قوات الاحتلال العثماني الحديدة وتهامة. وبذلك يسجل التاريخ اليمني المعاصر سقوط أخر دولة مركزية يمنية.
ومن الملاحظ بأن بريطانيا كانت سباقة في احتلالها لعدن قبل أي دولة أخرى في المنطقة وقد حاول قبلهم البرتغاليون ولكنهم دحروا واستفاد من تجربتهم البريطانيون وهذا يعود لأسباب عدة أهمها يرجع لتحكم عدن في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الشريان، وارتبط تاريخها بتاريخ البحر الأحمر الشريان الهام للمواصلات الدولية بين المشرق والمغرب، فهي بموقعها الممتاز تسيطر على المدخل الجنوبي وتتحكم به .
وقد وصفها ابن بطوطة عند زيارته لها(عدن) في مطلع القرن الخامس عشر فقال: وهي مرسى بلاد اليمن على مدخل البحر الأعظم، والجبال تحف بعدن ولا مدخل إليها إلا من جانب واحد . وفي رسالة للكابتن هنز(قائد القوات البريطانية التي استولت على عدن) لإقناع حكومته بالاستيلاء على عدن جاء فيها: إن هذا المرفأ العظيم يمتلك من القدرات والإمكانيات مالا يمتلكه ميناء أخر فهو يمثل مركزاً تجارياً ممتازاً … ولا شك أنه انسب الموانئ الموجودة لمواصلات الإمبراطورية عبر البحر الأحمر … وفي وضعه الحالي(الطبيعي) صالح لاستقبال البواخر وتموينها في كل فصول السنة . وبهذا يتبين بأن ميناء عدن كان نعمة الله لهذه المدينة التي ذكرت في التوراة وسميت ب(إيدين) ، وفي الوقت نفسه كان نقمة عليها من قبل الغزاة والطامعين الذين كانوا طوال فترات التاريخ يعتبروها مدخلاً لكنز لا ينضب وثغراً مهماً من ثغور اليمن السعيد.وقد قسم الاحتلال البريطاني الجنوب اليمني إلى مايقرب 22 سلطنه ومشيخة أطلق عليها اسم المحميات.
نالت شمال اليمن استقلالها من العثمانيين في 1918 عندما هزمت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى ووقعت اتفاقية حول الولايات التابعة للإمبراطورية في 30/أكتوبر/ 1918م بموجب المادة رقم 16 من الاتفاقية والتي قضت باستسلام القوات العثمانية بدون قيد أو شرط وإنهاء الإدارة العثمانية في هذه الولايات.
وبهذا أقيمت مملكة في شمال اليمن سميت بالمملكة المتوكلية اليمنية وأطلق على ملوكها اسم أئمة ( مفردها إمام ) ولكنها عملت على جعل شمال اليمن معزولاً عن العالم بسبب تخلف أئمتها وظلمهم؛ مما انعكس على شتى المجالات التي تمس حياة المواطن فانتشرت الأوبئة بسبب غياب الصحة، وتفاقمت معدلات الأمية حيث وصلت معدلاتها إلى 99% إضافة إلى تدهور الحالة الاقتصادية وارتفاع الضرائب المحصلة من المواطنين .كل ذلك جعل البلاد تعيش حالة من الشقاء نتج عنها ثورة شعبية قادها الضباط الأحرار في 26/سبتمبر/1962 قضوا فيها على الحكم ألإمامي الرجعي ،وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية وعاصمتها صنعاء.
وفي 14/أكتوبر/1963 انطلقت من جبال ردفان في الجنوب اليمني ثورة ضد الاحتلال البريطاني الذي خرج أخر جنوده منها في 30/نوفمبر/1963 وأعلن قيام الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية التي تحولت بعد بضعة أعوام إلى دولة اشتراكية وعاصمتها عدن.
وفي 22/مايو/1990 تحققت الوحدة اليمنية وعاصمتها السياسية صنعاء والاقتصادية عدن في عهد الرئيس علي عبد الله صالح.
الفصل الثاني
مرحلة ما قبل الخمسينات(1853_1950)
تميزت هذه الفترة بكونها البداية الحقيقة للصحافة في اليمن، إضافة إلى قيام المملكة المتوكلية في اليمن الشمالي وخضوع الجنوب للاستعمار البريطاني الذي نتج عنه تشكل حركات المعارضة الموجهة ضد النظامين سابقي الذكر إضافة على ظهور العديد من التنظيمات والتجمعات والأحزاب التي اتسمت بالمناطقية؛ وكل هذا وجد انعكاسه في صحافة هذا العهد.وسيتناول البحث صحافة الشمال والجنوب كلاً على حده.
أ_ الجنوب اليمني:
كان بداية عهد اليمن مع الطباعة في العام 1853 عندما أدخلت سلطات الاحتلال البريطاني في عدن أول مطبعة وذلك لتغطية احتياجات إدارتها في المستعمرة كما بعثت عدداً من المحكوم عليهم بالسجن إلى الهند للتدريب على عملية الصف اليدوي وذلك لتشغيل المطبعة والتي كانت تطبع باللغتين العربية والإنجليزية.وقد قسمت الصحافة إلى أقسام بحسب الجهة الداعمة لهذه الصحف وفق التقسيم الأتي:
1_ الصحافة الرسمية:
حرص المستعمر البريطاني على إصدار الحف الناطقة باسمه، وقد تزايدت هذه الصحف بمطلع الأربعينيات وكان يبث من خلالها أخباره ويروج لسياساته وانتصاراته في الحرب العالمية الثانية مما يزيد من انسجام خططه السياسية والإعلامية الرامية إلى إحكام القبضة على المحميات البريطانية في الجنوب العربي اليمني؛ ومن هذه النشرات الرسمية نذكر الأتي:
1_ جريدة محمية عدن: صدرت باللغة العربية والإنجليزية وكانت أول صحيفة رسمية تصدر بالعربية. صدرت إبتداءً من مطلع عام 1939 وتشمل موضوعاتها التعيين والترقيات وأخبار السلطة الاستعمارية الرسمية وأخبار المحميات وقضايا الزراعة وبعض الدراسات القصيرة وأخبار قمع السلطات الاستعمارية للانتفاضة في المحميات وقضايا طبية وبعض الإعلانات.
2_صوت الجزيرة (عدن): صدرت في عام 1939 باللغة العربية .تغطي أخبار وانتصارات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
3_الصقر البريطاني: صدرت في 1941 وهي نشرة باللغة الإنجليزية تغطي أخبار سلاح الجو البريطاني وتمجد انتصاراته وحيازته للطائرات المختلفة.
3_الأخبار العدنية: صدرت باللغة العربية وقامت بتغطية الأخبار الرسمية والقوانين والتعيينات والأحداث الجارية في عدن والمحميات والوطن العربي والتعليقات السياسية ومقتطفات من تعليقات الصحف.
2_ صحافة التنظيمات المناطقية والإصلاحية:
عمدت بعض الشخصيات المثقفة التابعة لبعض التنظيمات التي تشكلت في مطلع الثلاثينيات والتي كانت مهتمة بالإصلاح المناطقي إلى إصدار صحف ومجلات عبرت سياسياً على اتجاه هذه التجمعات وإن لم تعلن بصراحة على تبعيتها لتلك التنظيمات وهي كالأتي:
1_فتاة الجزيرة: صدر العدد الأول من صحيفة فتاة الجزيرة في 1/يناير/1940 وهي جريدة أسبوعية تصدر كل يوم أحد؛ بعد فترة وجيزة من إصدارها تأسست الجمعية العدنية في عام 1949 ( أول حزب سياسي في عدن ) وكانت تطالب بالحكم الذاتي لمدينة عدن (فقط) فأصبحت لسان حال هذه الجمعية. أتعتبر من الصحف المؤيدة للإدارة الاستعمارية لوقوفها الدائم مع سياساتها ومقترحاتها.
لقد تنوعت وتعددت القضايا التي عالجتها هذه الصحيفة على الصعيدين الشمالي والجنوبي كما وردة في أخبارها وتعليقاتها مواضيع عن دولة العواذل التي كانت تتمتع بحكم ذاتي تابع للتاج البريطاني في أرض حضرموت، إضافة إلى عرضها للأحداث الدولية والعربية واستحداثها لباب أسمته بالبريد أو التلفون ويعنى بهموم المواطن المختلفة. كما تضمنت أبواباً للإعلان وللمقالات والأخبار المتفرقة. توقفت عن الصدور في عام 1967.
2_ صوت اليمن: صحيفة أسبوعية صدر العدد الأول منها في 31/أكتوبر/1946 في عدن، ولها خصوصية في كونها أول صحيفة شمالية معارضة للحكم ألإمامي في شمال اليمن تصدر من عدن( لاجتناب بطش الإمام ) وقد أسسها القاضي الشهيد محمد محمود الزبيري (زعيم وشاعر وطني كبير له العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية)، وقد كانت لسان حال الجمعية اليمنية الكبرى (حركة الأحرار اليمنيين كما كانوا يطلقوا على أنفسهم).
تعتبر صوت اليمن أول صحيفة يمنية مارست العمل الصحفي الحديث كاملا، فلا يخلو عدد إلا وكان يحوي مقالات وتعليقات وأخبار وتحاليل للأوضاع المحلية والعربية والدولية، إضافة إلى أنها أول صحيفة يمنية استخدمت فن الكاريكاتير في النضال السياسي عبر إبراز عيوب الحكم ألإمامي المتوكلي في الشمال بشكل هزلي جاد. كما أنها أضافت صفحات غير ثابتة لبيانات الجاليات اليمنية في أماكن تمركزها الرئيسية (الخليج، السودان، أثيوبيا، الصومال).
تم إغلاق الصحيفة في عدن بأمر من السلطات البريطانية بطلب من سلطات النظام الشمالي في عام 1948 ولم تعاود الصدور إلا من القاهرة في عام 1955، وقد علق المؤرخ الصحفي اليمني د/سيف علي مقبل في كتابة(تاريخ الصحافة في اليمن) عن أسباب إغلاق الصحيفة قائلاً: بذلك يتجلى تحالف النظام الاستعماري والأمامي في هذا الموقف .
3_ الذكرى: صحيفة أسبوعية دينية تعنى بنشر الثقافة الإسلامية والبحوث العلمية والاجتماعية، صدرت في 1948 وكانت لسان حال الجمعية الإسلامية العدنية، عرفت بموقفها المتشدد ضد حقوق المرأة حتى أنها وقفت مع خطط سلطات الاستعمار الرامية إلى حرمان المرأة من حقوقها السياسية. توقفت عن الصدور في أواخر 1950م.
4_النهضة: صحيفة أسبوعية صدر العدد الأول لالمزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ